مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
الأول من آذار: ولادة النهضة القومية الاجتماعية ورؤية المستقبل
 
ملحم، ادمون
 

 

 

 

 

الأولُ من آذارَ ليسَ مجردَ ذكرى ميلادِ فردٍ، بل هو ولادةُ رجلِ فكرٍ، ونهضةٍ، ومسارٍ جديدٍ للأمّةِ السوريّةِ. إنه يوم مشرق ينبض بالحياة والتجدد، اليوم الذي ولد فيه الأمل المتلألئ بمجيء فتى الربيع، رجلٌ استثنائيٌّ لم يكنْ مجردَ مؤسِّسٍ لحزبٍ سياسيٍّ، بل فيلسوفًا ومفكرًا قوميًّا أطلقَ فكرًا جديدًا ورؤيةً فلسفيةً شاملةً لبناءِ الحياةِ القوميّةِ المثلى، التي تتجسّدُ فيها قيمُ الحقِّ، والحرّيّةِ، والعزِّ، والشرفِ، والكرامةِ.

 

في هذا اليومِ، يجدّدُ القوميّون الاجتماعيّونَ عهدَهم على متابعةِ المسيرةِ، لأنَّ الأولَ من آذارَ ليسَ ذكرى فرديّةً، بل ولادةٌ مستمرّةٌ للفكرِ والنهضةِ والعملِ المنظّم.  في خطابِه في الأولِ من آذارَ عامَ 1949، يقولُ سعاده:

 

 "في سيرِنا في طريقِ النهوضِ، وفي عملِنا بالقواعدِ الأساسيّةِ لهذه الحركةِ، نشعرُ أنّ الحياةَ التي نحياها هي حياةٌ لا نهايةَ لها، لأنّها مربوطةٌ بالغاياتِ العظيمةِ التي هي، كنفوسِنا العظيمةِ: لا نهايةَ لها!"[1]

 

هذه الحياةُ تكتسبُ معناها الأسمى من خلالِ البذلِ، والتضحيةِ، والعطاءِ، والنضالِ لتحقيقِ نهضةِ الأمّة.

 

الحياة الجديدة: قيم الصراع والبناء والتقدّم

 

الأولُ من آذارَ يُمثّل انطلاقةَ "الحياةِ الجديدةِ" التي دعا إليها سعاده، والتي تقومُ على قيمِ النهضةِ والصراعِ من أجلِ التقدّم.  فالأممُ التي تستكينُ إلى الخنوعِ، والاستسلامِ، والعيشِ الذليلِ تؤولُ إلى التفكّكِ والانهيارِ، أمّا الأممُ التي تدركُ حقيقتَها وتصمّمُ على الفعلِ، فهي التي تصنعُ مستقبلَها بنفسِها. يقولُ سعاده:

 

"لا تكونُ الحياةُ بلا صراعٍ... فإذا تنازلتَ عن الصراعِ، تنازلتَ عن الحرّيّةِ، وتنازلتَ عن الوجودِ، وعن حقِّ الحياة!"[2]

 

والحياةُ، برأيِه، هي صراعٌ بينَ قوى الخيرِ والشرِّ، بينَ التقدّمِ والتخلّفِ، بينَ العزِّ والذلِّ... ويؤكدُ: "نحنُ القوميّينَ الاجتماعيّينَ قد وضعنا في هذا الصراعِ كلَّ سلامتِنا... كلَّ مصالحِنا، كلَّ شيءٍ عندَنا في الحياةِ لأنّنا لا نجدُ الحياةَ خليقةً بأنْ نحياها إلا إذا كانتْ حياةَ حرّيّةٍ وحياةَ عزٍّ."[3]

 

لقد تميّز فكرُ سعاده بالأصالةِ، إذْ لم يكنْ مجردَ نظريّاتٍ تُكتبُ، بل كان ممارسةً عمليّةً جسّدها في حياتِه واستُشهدَ من أجلِها.  كان يرى أنّ الأخلاقَ القوميّةَ الاجتماعيّةَ ليستْ شعاراتٍ جوفاءَ، بل هي فعلٌ يوميٌّ ينعكسُ في سلوكِ الأفرادِ وتصرفاتِهم.  ومن هنا جاءتْ دعوتُه إلى التضحيةِ الفرديّةِ في سبيلِ خيرِ المجتمعِ، معتبرًا أنّ الأمّةَ العظيمةَ هي التي يبنيها أفرادٌ مستعدّونَ للبذلِ والعطاءِ.

 

 

التحرّر الحقيقي يبدأ بالوعي والتنظيم

 

الأولُ من آذارَ هو يومٌ يُؤكّدُ أنّ العزَّ والتقدّمَ لا يتحقّقانِ بالأماني، بل بالصراعِ المنظّمِ والتخطيطِ الواعي لبناءِ مستقبلِ الأمّة.  إنَّ سعاده يرى أنّ التخلّفَ الذي عانتْ منه الأمّةُ السوريّةُ لم يكنْ نتيجةَ قدرٍ محتومٍ، بل كان نتيجةَ فقدانِ الوعي القوميِّ، والانقسامِ، والتبعيّةِ للقوى الخارجيّة. لذلك، شدّد على أنّ التحرّرَ الحقيقيَّ لا يكونُ بمجردِ التخلّصِ من الاحتلالِ العسكريِّ، بل بإعادةِ بناءِ المجتمعِ على أسسٍ قوميّةٍ جديدةٍ، تقومُ على العلمِ، والإبداعِ، والقوّةِ، والتنظيمِ.

 

كان يرى أنّ الحرّيّةَ القوميّةَ لا تُمنحُ، بل تؤخذُ بالصراعِ والعملِ والتضحية، وأنَّ الأمّةَ القويّةَ هي الأمّةُ التي تبني نفسَها بنفسِها، بعيدًا عن الوصايةِ الخارجيّةِ أو الرضوخِ للمصالحِ الأجنبيّةِ. فالأمّةُ التي تثقُ بنفسِها تسيرُ إلى غايتِها العظمى ومراميِها الساميةِ، لأنّه، والقولُ لسعاده: "ما من أمّةٍ نامتْ واستكانتْ إلا كان مصيرُها البوارُ."[4]

 

 

راهنية فكر سعاده ورسالته إلى الأجيال

 

اليومَ، وبعدَ أكثرَ من تسعةِ عقودٍ على ولادةِ الحركةِ القوميّةِ الاجتماعيّةِ، لا يزالُ فكرُ سعاده يحملُ الراهنيةَ والقوّةَ التي تجعلُه أساسًا لمستقبلِ الأمّة.  فقد استشرف الخطرين التركي والصهيوني وطرحَ حلولًا لمشكلاتِ التجزئةِ والطائفيّةِ والتخلّفِ التي لا تزالُ قائمةً حتى اليومِ، وأكّد أنّ خلاصَ الأمّةِ لا يكونُ إلا بوعيِها، ووحدتِها، وبنهوضِها العلميِّ والاقتصاديِّ والاجتماعيِّ.

 

في عالمِنا اليومِ، حيثُ تزدادُ التحدّياتُ الاقتصاديّةُ والسياسيّةُ، وحيثُ تتعمّقُ العصبيّاتُ الطائفيّةُ والمذهبيّةُ، يبقى فكرُ سعاده منارةً للأجيالِ القادمةِ، هذا الفكرُ شكَّلَ رؤيةً استشرافيّةً لمستقبلِ الأمّةِ، وقدّمَ تصوّرًا متكاملًا للدولةِ القوميّةِ الحديثةِ، حيثُ يتساوى أبناؤُها في الحقوقِ والواجباتِ، وينعمونَ بالاستقرارِ والطمأنينةِ وزيادةِ الخيرِ.

 

 

الأول من آذار: نداءٌ متجدّدٌ للنهضة

 

الأولُ من آذارَ ليسَ يومًا للذكرى فقط، بل هو يومٌ للأملِ والإرادةِ.  إنّه مناسبةٌ لإعادةِ التأكيدِ على أنّ النهضةَ القوميّةَ الاجتماعيّةَ ليستْ مجردَ حلمٍ، بل حقيقةٌ يمكنُ تحقيقُها بإرادتِنا الواعيةِ وبالعملِ المنظّمِ والدؤوبِ.

 

لقد علّمَنا سعاده أنّ الأمّةَ القويّةَ لا تنتظرُ المعجزاتِ، بل تبني مستقبلَها بنفسِها، وأنّ الطريقَ إلى النهضةِ ليس سهلًا، لكنّه ممكنٌ، إذا توفّرتِ الإرادةُ والإيمانُ بالمشروعِ القوميِّ الاجتماعيِّ. وكما قالَ سعاده في أحدِ خطاباته:

 

"قد تسقطُ أجسادُنا، أمّا نفوسُنا فقد فرضتْ حقيقتَها على هذا الوجودِ."[5]

 

هذه الكلماتُ تلخّصُ معنى الأولِ من آذارَ، فهو يومٌ لإثباتِ أنّ الفكرَ القوميَّ الاجتماعيَّ لا يموتُ، بل يتجدّدُ في كلِّ جيلٍ يحملُ الرايةَ، وفي كلِّ إنسانٍ يرى في النهضةِ طريقًا للعزِّ والكرامةِ والتقدّمِ.

 


[1] سعاده في أول آذار، 1956، ص 102.

[2] المرجع ذاته، ص 99.

[3] ملحق رقم 3 من خطاب الزعيم في جزين، 10/10/1948.

[4] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الثاني 1935-1937، خطاب الزعيم في قصر آل ثابت 01/06/1937.

[5] ملحق رقم 9 - خطاب الزعيم في اللاذقية - 26/11/1948

 

 
التاريخ: 2025-03-01
 
شارك هذه المقالة عبر:
 
المصدر: Profile News، 1 آذار 2025
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2025 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro