توقّف القتال في الحرب التي سمّوها «استعادة السيادة» في سبعينيات القرن الماضي لكنّ النار بقيت تحت الرماد. لم يتغيّر نظام المحاصصة الطائفية بل تجذّرت مع السنين الولاءات المذهبية. ورغم عشرات آلاف الضحايا والخراب بقي النظام الطائفي قوياً، بحيث اعتبر البعض أنه عصيّ على التغيير، وأنّ الأسس الطائفية التي وضعها الجنرال غورو عام 1920 تبقى أبدية سرمدية وعلى اللبناني أن يتعايش معها.
التغيير الحقيقي غير مطروح، لكن عند الأزمات، وبعد زوال مفعول مخدر سمّوه «الميثاق الوطني» غير المكتوب، لجأوا إلى وصفات تجميلية مثل اتفاقية الطائف الطائفية، أو اتفاق الدوحة لتعيين رئيس، أو تنفيذ أوامر اللجنة الخماسية التي تذكّرنا (يا للمصادفة!) باللجنة المماثلة التي أسّست لنظام المتصرفية.
كان مشهد القناصل في القرن التاسع عشر يشبه إلى حد التطابق مشهد السفراء اليوم. ولمن لا يعلم عن دور القناصل أحيله إلى كتاب «مخبر القنصلية، رسائل يوحنا مسك إلى ريتشارد وود 1862-1877» الذي أصدرته مع أحمد أصفهاني عام 2009. في الكتاب عيّنة من النشاط القنصلي وكيف تمّت عملية التجنيد والتسليح لطرد قوات إبراهيم باشا من سوريا، وكان البريطانيون بالتعاون مع العثمانيين هم المخططين لذلك، وتولى ريتشارد وود القنصل البريطاني في إسطنبول ثم دمشق تنظيم التمرد والقتال ووصول السلاح، أمّا التنفيذ فكان بواسطة القوى المحلية والأساطيل الحربية البريطانية والنمسوية التي قصفت بيروت وصيدا.
أرسل وود من قبل البريطانيين عام 1832 إلى سوريا لـ«دراسة اللغة العربية»، لكن دوره في الواقع كان التجسّس على المصريين والتحضير لطردهم، إضافة إلى تعزيز العلاقات مع مجموعة كبيرة من رجال الدين والأسر الإقطاعية وزعماء ووجهاء من الطوائف كافة.
كانت حركات التمرّد على المصريين متنقّلة من فلسطين إلى حوران وجبل لبنان. وكان التمرّد محط مراقبة من وود. أعطت الاشتباكات الطائفية لندن وإسطنبول الحجة للتدخّل العسكري، تماماً كما كانت الاشتباكات الطائفية حجّة الفرنسيين للتدخّل عسكرياً عام 1860. في حزيران 1840 صدرت الأوامر لريتشارد وود بالتوجه إلى سوريا حاملاً معه فرماناً من الباب العالي يعطيه صلاحيات «ترتيب وتسوية الشؤون العملية في سورية». تم تسليم 84 ألف قطعة سلاح للمناهضين للمصريين، وهبط في مرفأ جونيه مئة جندي من البحرية البريطانية. تمت الإطاحة بالأمير بشير حليف المصريين الذين انسحبوا في شهر آب بعد معركة بحرصاف.
وعيّن ريتشارد وود الأمير بشير القاسم، الذي كان عميلاً له، أميراً مكان الأمير بشير الثاني، وترأس ديوان القاسم فرنسيس مسك المخبر الأمين للقنصل، يعاونه رهط من المستشارين المرتبطين بالقنصل مباشرة. وهكذا أحكم القنصل سيطرته عبر أدواته المحلية.
وهكذا يتكرر مشهد القرن التاسع عشر، فالسفارات هي التي تخطط وتفرض واقعاً على هذه الشعوب المغلوبة على أمرها والممزقة طائفياً. آخر تجليات السيادة اللبنانية ما جاء في الأخبار أن الأميركيين يجرون فحصاً لأشخاص مرشحين لمنصب رئاسة المصرف المركزي، وأن للفرنسيين مرشحاً أيضاً. والأمر يسري على جميع المناصب الرئيسية، وربما استثنوا في تعييناتهم نواطير القرى البعيدة.
هذه المجتمعات الممزقة في ولاءاتها يتحكم بها اليوم من هو أكثر ولاء للأميركي، ويسطع فيها نجم المتزلف والمتلوّن والانتهازي أو من جمع مالاً وفيراً في ممالك النفط «بذكائه وشطارته» وتملّقه للأمير أو للشيخ. وعاد إلى لبنان محملاً بالمال، طموحه الوصول إلى السلطة، وهذا أمر سهل جداً إذا كنت متمولاً يمكنك الوصول إلى المجلس النيابي أو أي وظيفة تتمناها في الحكم القائم. يبدأ المتمول خطواته نحو السلطة تدريجياً. ينتخب رئيساً للبلدية في مسقط رأسه بعد أن يتبرع للمسجد أو للكنيسة، ثم يعزز علاقته بكبار رجال الدين، خاصة من أبناء طائفته، يقدّم لهم هدايا «كتباً» من تأليفه في مختلف الحقول، ويكذب من يقول إنه يقدم رشوة لرجل دين عنده جوع أبدي من المهد إلى اللحد للمال.
يختاره رجل الدين من بين أبناء الطائفة ليكون محافظاً أو وزيراً بانتظار دورة انتخابات نيابية حيث يقدّم الوعود بالإصلاح والشفافية وخدمة المواطنين. يلتحق بحزب أو تجمع على مثاله. يبني قصراً يستقبل فيه المحاسيب والأزلام المعجبين بـ«أفكاره» الفذة. إنه رجل المرحلة وعلى يديه سيتم إنقاذ البلاد.
يقدّم فتات المساعدات للأسر التي تعتبر مفاتيح انتخابية. يقيم حفلات على شرف رجال الدين والوجهاء والسفراء وبصورة خاصة السفير الأميركي. يتدفّق إلى قصره المنيف المثقفون «اليساريون» منهم بصورة خاصة. يشيدون به في أحاديثهم أو في مقالاتهم الصحافية ومقابلاتهم التلفزيونية بوصفهم محللين إستراتيجيين. ترتفع نسبة الغرور وجنون الخلود في رأسه، ويزهو بحاله. وبمبادرة من المعجبين به لسخائه وحبه للوطن، يتوّج المتملقون نفاقهم له بتسمية شارع أو مستديرة في مسقط رأسه باسمه ليخلد إلى جانب أمثاله من الذين تتالوا على التحكم بهذه البلاد سواء كانوا من الأجانب أو من أبناء هذا البلد.
يوظف بعض المستشارين برواتب لا يحلمون بها، ويصرّ على أن يكونوا من طوائف مختلفة لإيمانه بلبنان المتعدّد الطوائف، وللبرهان على أنه رجل تقدّمي لا يميز مواطناً من طائفة ما على آخر من طائفة أخرى. فجأة تتبدل أحوال المستشارين، ينتقلون إلى منازل جديدة فسيحة، تعلّق في صدر الصالة الرئيسية صورة معلمهم القدوة الذي يحمل هموم الوطن أينما حل. يقتنون آخر طراز من السيارات، يطلقون تدخين السجائر ويدمنون على السيجار. يسافرون معه إلى الخارج في رحلاته المخصصة لخدمة لبنان.
حضرته يرفض السفر في الطائرات العادية، لذلك يقتني طائرة خاصة. يتوسل في «قاعدة عوكر» لقاء مسؤول درجة رابعة عشرة في الخارجية الأميركية ليعرض عليه مخططه الإصلاحي. يحصل على موعد بعد إلحاح، يستنفر الصحافيين المعجبين به ويخصص محطة إعلام مرئي حيث يقتني فريقاً من الإعلاميين العاملين فيها للسفر معه لتغطية نشاطاته في العاصمة التي تقرر مصير لبنان ويبثها مباشرة، لقاء مبلغ يدفع للمحطة ليستمتع اللبنانيون بمشاهدته وهو يجاهد في سبيل الوطن.
طموحاته التقاط صورة مع عضو في الكونغرس، وهكذا تدريجياً ترتفع أسهمه في بلاد يمتهن تجار السياسة فيها التملق للسفراء علّهم ينجحون في الفحص ويصبحون من المرضي عنهم لقيادة البلاد. وهكذا تلمّع صورته أمام المواطنين المتعطشين لـ«الإصلاح والتغيير» الذي لن يتم إلا على يديه أو على أيدي أمثاله.
والأسوأ من هؤلاء المتخمين بالمال الطامحين إلى السلطة، أولئك الذين درسوا في الجامعات الغربية وكانوا يحملون مشعل التغيير في صباهم، وعندما فشلوا في تحقيق طموح الوصول إلى منصب ما لعدم نجاحهم في الحصول على رضى زعيم الطائفة، انقلبوا رأساً على عقب وأخذوا يصطفون زرافات ووحداناً أمام السفارات (وهم في المناسبة من الطوائف كافة) يقدّمون الولاء والطاعة لصاحب الأمر والنهي. يختار البعض منهم ويتم تعيينهم في مؤسسات دولية، أمّا البعض الآخر فيوظف في مؤسسات «بحثية» غربية تابعة لـ«الناتو».
معظمهم يفضلون العمل مع الأميركيين تحديداً، بانتظار حلول ساعة امتطاء القطار الذي سيقودهم إلى السلطة. تقرأ لهم «أبحاثاً» تبرّر جرائم الأميركيين في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين. قرأت لأحدهم، على سبيل المثال، مقالاً هاجم فيه باراك أوباما، والسبب لأنه لم يقصف سوريا. أمام اللبنانيين نماذج لا تعد ولا تحصى من هؤلاء الذين لا يمكن أن تصفهم إلا بأنهم مرتزقة وصوليون انتهازيون، هذه الأوصاف هي الأكثر تهذيباً إذا لم نطلق عليهم أوصافاً أقسى!
يدور اللبنانيون في هذه الدوامة منذ عقود. قبل ازدياد نفوذ دول النفط في بلادنا، كان يتقاسم السلطة أبناء الأسر الإقطاعية والسلطات المذهبية المتنافسة دائماً والمتحالفة سرّاً للمحافظة على «الأبدي السرمدي» الذي أورثهم إياه المستعمر بقوانين ودستور عنصري مبني على نظرة تفوّق طائفة على أخرى. لا مجال أن يشاركهم أحد من خارج النادي، فالسلطة تورّث من الجد إلى الأبناء والأحفاد.
وعندما «تطور» النظام، ظهرت آلاف من منظمات «المجتمع المدني» (N.G.O). وهي بمعظمها ممولة من «الناتو» أو جورج سوروس والمخابرات الأميركية. من يشرف على هذه المنظمات وينفذ التوجيهات شباب وشابات من لبنان يصفون أنفسهم بأنهم من أنصار التغيير. لكن القاسم المشترك بينهم جميعاً الصمت المطبق تجاه الإجرام الصهيوني المنتشر في بلادنا. شغلهم الشاغل الهجوم على كل من يقاتل العدو سواء بالرصاصة أو بالكلمة. هؤلاء أوعز لهم بالانخراط في دكاكين سياسة تسمى أحزاباً تم تفقيسها حديثاً، إنهم أحصنة الغرب المختارون لتسلّم السلطة وقد تسلّموا فعلاً.
انسوا أيها اللبنانيون مسرحية الانتخابات وقانونها المفصل على قياس اللصوص والانتهازيين وأصحاب المصارف والطوائف. يهبط عليكم النواب كما الحكام بإشارة من ولي الأمر، وما كتب قد كتب.
ما وصفته أعلاه هو بعض الواقع الذي يعيشه كل لبناني، لقد أشرت باختصار إلى بعض مثالب وفضائح النظام الطائفي الذي ينفذ مطيعاً أوامر الغرب. لا مانع لديهم من التسليم لأعداء هذه البلاد أرضنا ومصيرنا، فالأهم هو تسلّطهم وتحكّمهم ممثّلين لسياسات الغير وليس للبنانيين. هذا الكيان السياسي شُيّد كما هو في عام 1920، ويمنع منعاً باتاً تطويره أو إصلاحه، أساسه طائفي عنصري وفاسد، ولن يسقط للأسف إلا ببحر من الدماء. والسقوط مؤجل بحقن تخدير، لكنه حتمي لا محالة
.
* كاتب لبناني